محمد بن جعفر الكتاني
96
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
كان - رحمه اللّه - أحد الأعلام المجتهدين ، والأيمة المهتدين ، والفضلاء الصالحين ، والعلماء العاملين ، متفقا على صلاحه وولايته ، ورعا زاهدا ، متقشفا مقتصرا على الضرورة من المأكل والمشرب ، ولا يتقوت إلا من زرع يحرثه بيده في بليدة وهبها له بعض أهل الخير والدين ، فيعمل قرصة من العجين ، ويجعلها في النار ، ويتبلغ بها . . هذا دأبه ، مع أن الناس يقصدونه من الآفاق البعيدة بالعطايا الجزيلة ، والصدقات الوافرة ؛ فلا يمد لذلك عينا ، ولا يلقي له بالا . ويذكر أن بعض أعيان فاس : أصابه مرض أعي الأطباء وأتعب الراقين ؛ فأشار بعض على المريض بزيارة صاحب الترجمة ، فقصده ببيته بالمدرسة المصباحية ، وشكا له مرضه المزمن ؛ فتناول الشيخ شيئا من دقيقه ، ولاته له ، وأمره بشربه ؛ فعوفي من حينه . فقال له الشيخ : « إن الحلال ترياق الأمراض الصعبة ، وما أكل مريض من حلال إلا كان كأنما نشط من عقال ! » . ه . ومن ورعه - رحمه اللّه - أنه : كان لا يمر بصحن جامع القرويين ؛ لأن بعض ولاة الأمر هو الذي فرشه بالآجر ؛ فكان يتحامى المشي عليه ، وإذا أراد الدخول للمسجد المذكور ؛ يطلع من مدارج المستودع الكائن هناك ، فينزل منها للمسجد . ومن ورعه - أيضا - أن الشيخ [ 85 ] ميارة لما شرح " المرشد المعين " الشرح الكبير ؛ أتى بالشرح إليه ليكتب له عليه ؛ فلما تصفحه استحسنه ، لكنه عاب عليه كونه لم يتعرض فيه لشيء من أحوال الدار الآخرة ، وكونه إذا عرف فيه بأحد من أشياخه يقول في حقه : القطب ، أو العارف باللّه . . أو نحو ذلك . وكتب في ذلك رسالة ذكرها بحروفها الشيخ ميارة آخر شرحه المذكور ، وحلاه عند إيرادها : « بالسيد الأجل ، العالم العلامة ، الدراكة الفهامة ، عالم عصره ، وسيد أهل وقته ، الورع الزاهد ، العارف العابد . . . ثم قال : أبقى اللّه بركته ، وعظم حرمته ، ونفعنا به وبأمثاله » . ه . وكان - رحمه اللّه - يبعد نفسه من أن يتبرك به أو تنسب إليه خصوصية ، ولا يألف مخلوقا ، ولا يقبل من أحد شيئا ، ولا يتلبس من الدنيا إلا بالقليل الذي لا غنى للضرورة البشرية عنه ، حتى إنه لم يكن له عدا ثوب واحد ، فإذا أراد غسله ؛ خرج لوادي الزيتون ، فيشق الثوب نصفين ؛ فيلتحف بالنصف ، ويشتغل بغسل النصف الآخر فإذا جف ؛ التحف به وغسل النصف الآخر ، فإذا جف خاط الثوب كما كان . قرأ القرآن ببلده على سيدي محمد بن أحمد البوعقيلي ، وقرأ الفقه والعربية على سيدي محمد بن عبد الرحمن الكرسيفي ، ولازم الشيخ الصالح سيدي أبا محمد عبد اللّه بن سعيد بن عبد المنعم الحيحي إلى أن مات . قال في تأليفه " بذل المناصحة " : « وقد انتفعت به في داره في هذا الأمر انتفاعا يوجب شكره » . ه . ثم دخل إلى فاس ؛ فكان يأوي بالمدرسة المصباحية منها إلى أن توفي .